Posts

وحيد الداني، الجزء الأول: المهد

Image
  السماء تمطر، السيارات تسير بصعوبة في شارع الليجاتيه وسط الباعة المحتمين بالأسقف ومداخل العمائر والبلكونات، هموم تمشي على أقدام في كل مكان، سواء على الرصيف أو الشارع، وتصطدم ببعضها البعض وتكمل مشيها دون اكتراث، تعلو على صوت المطر المنهمر أصوات أبواق السيارات حيث يوجد عربجي يحاول تغيير مسار عربته عند التقاطع الثاني من الشارع، العمائر تصطف يمينا ويسارا متباينة الأطوال وكأنها ستبتلع الشارع ومن فيه، والنوافذ أغلبها مغلقة أقلها مفتوحة، ومن بينها يخرج خيط رفيع من الدخان الأبيض سرعان ما يتبعثر في الهواء من نافذة يخرج منها نور أصفر باهت ويستند إليها وحيد الداني.   وحيد، في منتصف الثلاثين، ذو أتب في الظهر، ورأس هجرها معظم الشعر ولم يبق منه إلا قلة قليلة يتسرب إليها اللون الرمادي، يقف بفانلته وسيجارته، يأخذ كل نفس ويخرجه بقوة عسى أن يكون الأخير، هل حقا الأسماء على مسمى؟ وإن كان كذلك فلماذا سموني بذلك الإسم؟ هكذا حدث نفسه، ونظر لأسفل وحدق بالناس في الشارع وهم في حركة آلية في كل الاتجاهات، وركز فيهم؛ يمشون جماعات وأزواج، والأفراد يتقابلون، شعر أنه معلق في الفضاء بين السماء والشارع، فلا...

الإنسان بين الإقرار والإنكار

Image
  **تنويه: الهدف الأساسي من نشر الكتابات هو إيجاد قراء جدد بصفة مستمرة، والسبيل الوحيد لذلك هو مشاركتكم للكاتبات مع الآخرين، ففضلا وتقديرا للمجهود المبذول، إن أعجبتكم إحدى الكتابات فانشروها قدرما استطعتم.   صاحب تلك الكلمات ليس بابن حسن وليس ذا علم وعلاقة وطيدة مستقرة مع خالقه، وإنما قد طرحته الدنيا أرضا ألف ألف مرة، ويبحث في فضاء الله الرحب عن نور ينقذ به ذاته المنسحقة تضرعا أمام خالقها، وليس يخطها فخرا أو وعظا، بل تذكرة لنفسه بسقوطه وإلزاما لنفسه باتباع الطريق الي ضلها يوما، والأهم أنه يخطها عساها تساعد أحدهم في إيجاد الطريق كما أنقذته كلمات من التيه.   ولعل أهم ما يجب أن نتطرق له بدايةً هو بحث الإنسان عن المعنى، ذاك البحث المضني والصعب الذي إما يؤدي بالمرء لأول خطوات النعيم والإقرار أو الهلاك المحتم يوميا ومع كل نفس؛ فالذين يجدون المعنى كأنما وجدوا السعادة السرمدية أيا كان المعنى الذي وجدوه؛ فمثلا الإرهابي لا يُرى حزينا إلا حينما يُهزم – وليس الموت – وعدا ذلك يمضي أيامه سعيدا في خدمة المعنى الذي وجده، وليس الإرهابي المعاصر هو الذي نذكره فقط وإنما على كل العصور، إذ أن...

تأملات في أحوال المرأة المصرية

Image
  هذا حديث لن يرضي أصحاب النسوية المزيفة الهشة، ولن يقبله غرور مدعي الصلاح، وهو ليس عن المرأة تفصيلا وإجمالا وإنما عن مصر كلها، ولسنا نتحدث عن المرأة لأنها نصف المجتمع؛ لأن الرجل ببساطة هو النصف الآخر، وإنما نرى أن المرأة قضية تضم من العناصر العامة والخاصة ما يشمل المجتمع بأكمله مما يمكننا في نهاية الحديث أن نستنتج ونستدل أحوال فئات مختلفة.   بدايةً، دعونا نعرض قصة من فيلم "جانغو الحر" أو " Django the unchained "، وبالتحديد قصة عبد اسمه ستيفن، ذلك العبد الأسود كان رئيسا للبقية تحت خدمة السيد الذي يستخدمهم كآلات مسخرة، والمميز في ستيفن هي شدته مع بني قومه، يشي بهم إذا ما اقترفوا خطأ أو تساهوا عن العمل، بل يساعد في عقابهم، ثم حينما قُتِل سيده الذي جسده ليوناردو دي كابريو حزن وبكى أمر البكاء وانتقم من جانغو "الأسود" الذي هو من بني جنسه وعرقه ويماثله في نفس المعاناة بل بما فعله فهو قد حرره من سيد متسلط، السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو لماذا حزن ستيفن على سيده ذلك الحزن ويشي ببني عرقه ويعاقبهم كما سيده؟   هذا تساؤل لن نجيب عنه في الحال وإنما نريد من القارئ أن ...

صمت لا بأس به

Image
  " طوبى للأرواح التي تعيش فرادى ولا يشعر بوجودها أحد إلا حينما ترحل، تلك الأرواح التي لحظها العَسِر قد تتقاطع طرقها دون أن تعرف فتعيش  طوال حياتها بلا مُعَزٍ أو حبيب أو خليل أو أي شيء، وحدها في الكون." -مينا وجدي.   لم يكن للمكيف فائدة له حيث إن مجلسه بجانب الشرفة لم يحمه من الشمس الطاغية ولعله الوحيد الذي طالته الشمس من المجلس بينما البقية في ظل وطراوة حلوة، كان المجلس حوله نصف دائري مفتوح من ناحية الشرفة، تتعالى الضحكات حينا وتخفض حينا آخر ثم تعود مرة أخرى تعلو، والجمع مكون من شباب أغلبية وشابات أقلية، ولم يكن فم ينتهي من الحديث حتى يقاطعه آخر أو يبدأ حديثا جديدا.   بينهم كان يجلس رفيق الذي يستمتع بالحديث الدائر بين ياسين وزياد والمناوشات بين أحمد وندى، بين "أعطني الشنتة يا أحمت..هههه" وبين تقليد الأساتذة والسباب الخفيف الذي لا يخدش الحياء، ويتقدم في جلسته للأمام كل حين لسماع الآخرين بسبب مجلسه المتطرف، فيضحك واجبا مع الضاحكون وإن كانت نكتة إسماعيل لم تنزل به أي فكاهة، ثم يصمت ويركز مع المتحدث أيا كان الموضوع محاولة لإلمام أكبر قدر من المعلومات والإفيهات الذي...

شاعر يكره شعره

Image
  أثناء الليل، وفي أرض كاحلة لا ينيرها سوى نجوم قليلة، اقترب فتى صغير الحجم حاف القدمين من قرية تملأها الأفراح تتوهج نيرانها من بعيد، واحتاج الفتى الراحة بعدما قضى الرحلة كلها على قدميه من قرية أخرى لم يدم البقاء بها سوى ليلة.   دخل بوابة القرية مستجمعا شجاعته لعلها تختلف عن قريته، وتكون تلك التي تفتح له أبواب الوجود فيضرب جذوره بها لو قبلوه وعرفوه، ذلك وهو وحده بينما كان الداخلون كلهم أزواجا وجماعاتٍ، لذلك لم يلفت انتباه مندوبي النُزُل رغم توقعه حفاوة تنتظره كما الآخرين، انتظر بعض الشيء كبرياءً ثم تحرك منكس الرأس نحو مندوبٍ لم يلاحظه إلا حين رفع صوته متحدثا: -         سلام عليك. -         سلام أخي، كيف أخدمك؟ أتحتاج غرفة؟ -         نعم، وأيضا إنني شاعر أريد أن أعرض شيئا على الناس. -         حسنا، أخي، اذهب مع الذاهبين نحو الميدان، هناك تجد الناس كافة وأنا سألاقيك في نهاية الليلة، لكم من الوقت تريدها؟ -    ...

الطريق

Image
  الطريق قسمان، وطريقهم الأيسر وكان من أسفلت ممتلئ بالحصى والحشرات،  والمشاة كذلك: قسم كثير العدد ماشٍ، والآخر أقل عددا منه محمول ومضموم للصدور.   من تلك الأجسام المضمومة كان آدم البارحة، أما اليوم وقد نضج جسده فتوة فقد أنزله أبواه الحفاة على الأرض، ولم يكن آدم قد رأى طوال حياته القصيرة سوى صدر أمه وأبيه، لذلك حينما نزل للأرض استغرب ملمس الأرض القاسية وأحس بيدي أبواه تجره جرا يكاد يفصل كتفيه عن جسده، فتألم آدم لكنه لم يبح.   كانت الأجسام حول آدم طويلة جدا حيث لم يكن باستطاعته رؤية لا وجوههم ولا ما هو فوقهم، كما لو كان بناية قصيرة محاطة بناطحات سحاب.   لم يعد آدم يستطيع المشي أكثر من ذلك فعضلات قدميه ليست قوية، فتذمر، ثم سمع صوت والديه ناهيا يشوبه قدر من الحنية يجعل الآذان تطيع:  - لا تقدر يا بني، ولا نقدر نحن أيضا.  - لماذا؟  - إن الطريق طويل جدا يا بني، وإننا نرى ما لا تراه، ثم إنه كيف سينظر لك المحيطون، إن بعيونهم شعاع حارق ولا يكترثون لأمر الساقطون فيدهسوهم.   صمت آدم مطيعا مغلوبا على أمره، وروي...

فريد

Image
*ملحوظة: لقد كُتِبَت تلك القصة تأثرا بقصة أنطون تشخيوف "وحشة"، وقد أثرت تلك القصة أشد تأثير فيّ لذلك أفخر بأن أكتب شيئا مشابها أو محاولا لأن يكون كذلك، وإنني أجد فيها نموذجا حقيقيا مثاليا للقصة القصيرة. *أثناء القراءة اسمتع إلى : Balomrhea-Remembrance/ Balmorhea- The winter/ Max Richter- On the nature of daylight.    كانت الشقة المُقَشر طلاؤها القاطن بها فريد سائق الأجرة قد ضاقت أشد ضيق به اليومين المنصرمين، ولم تكن الحال قبل اليومين مختلفة كثيرا؛ فلم يكن بالبيت إلا حس قليل وظلام كثير حتى لا تكلفه الكهرباء كثيرا، ولكنه خلالهما قد أدرك أن الشقوق في الحائط – التي كان يلاحظها من قبل – قد كثرت جدا، فلم يتحمل ذلك، فنازعته نفسه للنزول رغم أن الوقت قد تعدى السابعة وها هي الكورونا على الأبواب، خرج من الغرفة ثم الشقة التي تردد على عتبة بابها بين النزول وبين التراجع لإبلاغ من بالشقة نزوله، لكنه تذكر أنه لم يعد شخص بالشقة.   لم يغير نزوله للشارع وركوبه سيارته شيئا، وإنما أثاره أكثر، وخلت من أي فرصة للونس؛ فالراديو غير موجود فلا يستطيع سماع شيئا يربت على قلبه بعض ال...