Posts

صمت لا بأس به

Image
  " طوبى للأرواح التي تعيش فرادى ولا يشعر بوجودها أحد إلا حينما ترحل، تلك الأرواح التي لحظها العَسِر قد تتقاطع طرقها دون أن تعرف فتعيش  طوال حياتها بلا مُعَزٍ أو حبيب أو خليل أو أي شيء، وحدها في الكون." -مينا وجدي.   لم يكن للمكيف فائدة له حيث إن مجلسه بجانب الشرفة لم يحمه من الشمس الطاغية ولعله الوحيد الذي طالته الشمس من المجلس بينما البقية في ظل وطراوة حلوة، كان المجلس حوله نصف دائري مفتوح من ناحية الشرفة، تتعالى الضحكات حينا وتخفض حينا آخر ثم تعود مرة أخرى تعلو، والجمع مكون من شباب أغلبية وشابات أقلية، ولم يكن فم ينتهي من الحديث حتى يقاطعه آخر أو يبدأ حديثا جديدا.   بينهم كان يجلس رفيق الذي يستمتع بالحديث الدائر بين ياسين وزياد والمناوشات بين أحمد وندى، بين "أعطني الشنتة يا أحمت..هههه" وبين تقليد الأساتذة والسباب الخفيف الذي لا يخدش الحياء، ويتقدم في جلسته للأمام كل حين لسماع الآخرين بسبب مجلسه المتطرف، فيضحك واجبا مع الضاحكون وإن كانت نكتة إسماعيل لم تنزل به أي فكاهة، ثم يصمت ويركز مع المتحدث أيا كان الموضوع محاولة لإلمام أكبر قدر من المعلومات والإفيهات الذي...

شاعر يكره شعره

Image
  أثناء الليل، وفي أرض كاحلة لا ينيرها سوى نجوم قليلة، اقترب فتى صغير الحجم حاف القدمين من قرية تملأها الأفراح تتوهج نيرانها من بعيد، واحتاج الفتى الراحة بعدما قضى الرحلة كلها على قدميه من قرية أخرى لم يدم البقاء بها سوى ليلة.   دخل بوابة القرية مستجمعا شجاعته لعلها تختلف عن قريته، وتكون تلك التي تفتح له أبواب الوجود فيضرب جذوره بها لو قبلوه وعرفوه، ذلك وهو وحده بينما كان الداخلون كلهم أزواجا وجماعاتٍ، لذلك لم يلفت انتباه مندوبي النُزُل رغم توقعه حفاوة تنتظره كما الآخرين، انتظر بعض الشيء كبرياءً ثم تحرك منكس الرأس نحو مندوبٍ لم يلاحظه إلا حين رفع صوته متحدثا: -         سلام عليك. -         سلام أخي، كيف أخدمك؟ أتحتاج غرفة؟ -         نعم، وأيضا إنني شاعر أريد أن أعرض شيئا على الناس. -         حسنا، أخي، اذهب مع الذاهبين نحو الميدان، هناك تجد الناس كافة وأنا سألاقيك في نهاية الليلة، لكم من الوقت تريدها؟ -    ...

الطريق

Image
  الطريق قسمان، وطريقهم الأيسر وكان من أسفلت ممتلئ بالحصى والحشرات،  والمشاة كذلك: قسم كثير العدد ماشٍ، والآخر أقل عددا منه محمول ومضموم للصدور.   من تلك الأجسام المضمومة كان آدم البارحة، أما اليوم وقد نضج جسده فتوة فقد أنزله أبواه الحفاة على الأرض، ولم يكن آدم قد رأى طوال حياته القصيرة سوى صدر أمه وأبيه، لذلك حينما نزل للأرض استغرب ملمس الأرض القاسية وأحس بيدي أبواه تجره جرا يكاد يفصل كتفيه عن جسده، فتألم آدم لكنه لم يبح.   كانت الأجسام حول آدم طويلة جدا حيث لم يكن باستطاعته رؤية لا وجوههم ولا ما هو فوقهم، كما لو كان بناية قصيرة محاطة بناطحات سحاب.   لم يعد آدم يستطيع المشي أكثر من ذلك فعضلات قدميه ليست قوية، فتذمر، ثم سمع صوت والديه ناهيا يشوبه قدر من الحنية يجعل الآذان تطيع:  - لا تقدر يا بني، ولا نقدر نحن أيضا.  - لماذا؟  - إن الطريق طويل جدا يا بني، وإننا نرى ما لا تراه، ثم إنه كيف سينظر لك المحيطون، إن بعيونهم شعاع حارق ولا يكترثون لأمر الساقطون فيدهسوهم.   صمت آدم مطيعا مغلوبا على أمره، وروي...

فريد

Image
*ملحوظة: لقد كُتِبَت تلك القصة تأثرا بقصة أنطون تشخيوف "وحشة"، وقد أثرت تلك القصة أشد تأثير فيّ لذلك أفخر بأن أكتب شيئا مشابها أو محاولا لأن يكون كذلك، وإنني أجد فيها نموذجا حقيقيا مثاليا للقصة القصيرة. *أثناء القراءة اسمتع إلى : Balomrhea-Remembrance/ Balmorhea- The winter/ Max Richter- On the nature of daylight.    كانت الشقة المُقَشر طلاؤها القاطن بها فريد سائق الأجرة قد ضاقت أشد ضيق به اليومين المنصرمين، ولم تكن الحال قبل اليومين مختلفة كثيرا؛ فلم يكن بالبيت إلا حس قليل وظلام كثير حتى لا تكلفه الكهرباء كثيرا، ولكنه خلالهما قد أدرك أن الشقوق في الحائط – التي كان يلاحظها من قبل – قد كثرت جدا، فلم يتحمل ذلك، فنازعته نفسه للنزول رغم أن الوقت قد تعدى السابعة وها هي الكورونا على الأبواب، خرج من الغرفة ثم الشقة التي تردد على عتبة بابها بين النزول وبين التراجع لإبلاغ من بالشقة نزوله، لكنه تذكر أنه لم يعد شخص بالشقة.   لم يغير نزوله للشارع وركوبه سيارته شيئا، وإنما أثاره أكثر، وخلت من أي فرصة للونس؛ فالراديو غير موجود فلا يستطيع سماع شيئا يربت على قلبه بعض ال...

النظرات

Image
هناك نظرات نتمناها، وهناك نظرات نخشاها كالنصال فنتمنى لو انمحونا هربا منها.   لم تتسرب الخيوط الذهبية من بين طيات الستائر لتيقظه بل سبقها منبه رنان قتل الصمت الذي كان يغلف فضاء الغرفة والبيت، ومن سرير لا يشاطره إياه أحدهم قام أمين، أضاء أنوار الشقة كلها في طريقه للحمام كما هي عادته منذ الصغر خوفا من شخص سيأتيه بالتأكيد من الخلف ويبتلعه في الظلام، بالنسبة لشاب في طريقه للثلاثين فأمين قصير جدا لحد يجعله يقف على أطراف أصابعه أمام المرآة حتى يستطيع تبين وجهه بالكامل أثناء حلاقة ذقنه.   أول البارحة قد وصلته رسالة عن اجتماع لخريجي مدرسته احتفالا، فتأرجح قلبه فرحا ثم ارتج فزعا.   أما الآن فهو يجمع شجاعته كلها ليرتدي الملابس ويذهب لذلك الاجتماع، فليس كل رجوع للماضي به جمال خالص، احتار أمين فيما يلبس ويضع، وهكذا عادته كل يوم، فيقف وينظر ويفكر "إن لبست هذا سيُنظر لي، وذلك سيجعلهم بالتأكيد يضحكون.."، فارتدى قميصا –في النهاية- أبيض اللون وسروالا جينزا حتى لا يلفت انتباه أحدهم بريقا أو احتقارا، استمر في إعداد هيئته مرارا وتكرارا حتى تجاوز الأمر أكثر من ساعة ونصف الساعة. ...

حُلْمٌ غَرِيبٌ ثانٍ

Image
رأيت تلك الفتاة من قبل، تبلغ من العمر نفس عمري، آية في الجمال، حاجباها مرسومان وثقلهما فيه روعة، عيناها متوسطتان في الضيق ومتوسطتان في الوسع، وأنف دقيق وملامح كأنها مرسومة خصيصا، وشعر أسود كسلاسل الحرير يتدفق شلالا على كتفيها، أما الجسد فتَل به من الإنحناءات نسبة رقيقة. لم أرها سوى مرة في أحد الدروس وقد تلاقت عينانا صدفة، أما الآن فالأمر عكس ذلك. آتتني هي وفتاة أخرى من درس آخر وليسا صديقتين، أنا متأكد من ذلك، وكنت أجلس في مقهى راقٍ في شارع سوريا - لم أعرف بوجوده أبدا سوى الآن - بجانب سور كسور البلكونة، وأطل على الشارع إذا نظرت يميني وظهري للبحر، كانت جريئة جدا بالنسبة لفتاة تحدث مراهقا من سنها لا تعرف عنه سوى شكله واسمه، بدأتا بالحديث متحديتين، والأخرى التي من درس آخر تُكلمني وكأنها تعطيني تعليمات وتَصِف لي نظام التعامل مع الفتاة الأولى، وفي وسط هذا الحديث لم يأتني أن أسألهما عن اسميهما. قالت لي أنها تحب الراب، جميل، لكنها سرعان ما بادرتني بسؤال لاختباري في معرفتي بالراب، من هي لتسألني عن معرفتي بالراب؟! قبل ذلك الإختبار مر وقت طويل، وبعده كذلك، وكنت مأسورا بين الغِبْ...

الإنسان بين الوحدة واللا انتماء

Image
رجوعا إلى أقدم المفاهيم التي تضمنت معنى الانسان والفرق بين جنسه وبني الأجناس الأخرى فنرى أن ما يميز الانسان بحسب تعريف الأقدمين ليس ذكاءه فحسب وإنما وصفه بالاجتماعية، وهو ما أعطاه القدرة على تكوين مجتمعات أكثر تعقيدا وأكثر دواما من أي مخلوق آخر بل إنه كان قادرا على تكوين علاقات مع المخلوقات الأخرى، ولذلك فإن فقد المرء ما يميز بني جنسه فإن ذلك ليضعه في مأزق رهيب وحالة تكاد تفنيه نفسيا إذا صح التعبير. وهنا نتحدث بخاصة عن الوحدة حيث أنها جزء لا يتجزأ بل أساسي من كون المرء غير اجتماعي وهو بذلك يقابل في المعنى الاجتماعية، ولكن إن أردنا توضيح معنى عدم الانتماء فإنه أكثر عمومية وشمولا من الوحدة حيث أن كل الكائنات الحية أو معظمها للتدقيق تعيش في جماعات والأهم من تلك المعيشة هو الانتماء للجماعة، فإننا لو دققنا النظر لعالم الحيوان فسنجد أن غالبية الحيوانات النافقة تكون إما خرجت عن المسار المحدد للجماعة وماتت من الجوع أو تم قتلها من قبل جماعة أخرى لدى خروجها أيضا من جماعتها. بالتالي فإن النتائج الخاصة أو العامة هنا هو الخطر، أي أن كلما كان الانسان في وحدة خاصة جعله في مهب الريح وكلما كا...