Posts

وحيد الداني، الجزء الأخير: اليقين.

Image
    كانوا ثلاثة على وجه التحديد، أولهم خلف وحيد، والاثنين الآخرين يحيطانه يمينا ويسارا بزوايا كأنما يشكلون مثلثا ليس بمثلث فيثاغورث وإنما هو خطِرٌ، أدرك وحيد ما سينزل به ببطء حيث إن المفاجئة من شدة هولها صعقته، رويدا رويدا بانت ملامح كل منهم ولم يكن يفرق بين وجه كل منهم إلا مكان علامة الزمن والشقاوة عليهم، ووحيد يدور برأسه بسرعة كالبومة وهو في حيرة من أمره قد تضيع عليه حياته؛ إذ إنه إن لم يتصرف كما يجب سيقع في مأزق كبير؛ خصوصا لأنه لا يحمل شيئا ذا قيمة إطلاقا، إلا إذا أرادوا كبده أو كليتيه فذاك موضوع آخر.   رفع وحيد الداني ناظريه بشكل لا إرادي للسماء فكأنما يحاول الاستعانة بأي ذي قوة، إلا أن شيئا لم يتحرك أو يتغير، أخذه من أمله ألمٌ في قفاه حيث أمسك به أحدهم بشدة وقسوة بيدٍ خشِنة وأظافر كالمخالب، فأصبح وحيد كالأرنب منكمشا في يد صائده، ولم يدم الحال أكثر من لحظات معدودة إذ انضم الباقية واقتربا منه فأمسكاه من جانبيه، والزعيم في الخلف يتحسس بيده كل ما تقع عليه يده في جسد فريسته، كل الجيوب، وكل مكان أمكن إخفاء شيء فيه، وبالرغم من تجمد وحيد وأنه كاد يبول على نفسه من فرط الرع...

وحيد الداني، الجزء الثاني: بين الهروب والبحث

Image
    ضاقت عيناه تدقيقا في السماء بعدما تجمد وبينه وبين النافذة فردة كعب، العالم به كثير من الفجوات، الكاتب لم يكمل بناءه بعد، هكذا اعتقد وحيد، أدار نفسه مرة واحدة سريعا نحو الغرفة، لم يسبق له أن شرب ربعا من قبل، لكن رغم ذلك أمست الغرفة تمتد به وتضيق بسرعة.   ..يحاول وحيد الصراخ ولكن صوتا لا يخرج منه، وفي تلك الآوانة يتجمد العالم كله من حوله ولا يقوى وحيد على الحركة.   حدث الأمر، خضع الكون المحيط بوحيد لما سمع، عينا وحيد فقط هما اللتان تتحركان في محاجرهما بحرية، وتشهدان الأعاجيب والمعجزات، تداعى كل شيء من حوله، الجدران اختفت، قدماه ثابتتان في أرضية الغرفة التي لم تتغير، في حين أنه شعر بالارتفاع كأن أصبح بينه وبين سقف العالم أمتارا واقترب جدا من الفجوات، ثم هبط بسرعة وساد السواد فجأة.   رفع جفنيه فتفجر النور في حدقتيه، وشعر بالحرية تسري في أوردته وبالتحكم بعدما سُلب منه لمدة دقائق، الهاتف يرن مرة أخرى، ولكنه لم يسمعه بل استولى على عقله الصوت الآتي:   "...يجلس وحيد بعدما رأى المعجزات في كرسي مكتبه..."   إلا أن شيطان وحيد سيطر عليه تماما وجعله يجر...

وحيد الداني، الجزء الأول: المهد

Image
  السماء تمطر، السيارات تسير بصعوبة في شارع الليجاتيه وسط الباعة المحتمين بالأسقف ومداخل العمائر والبلكونات، هموم تمشي على أقدام في كل مكان، سواء على الرصيف أو الشارع، وتصطدم ببعضها البعض وتكمل مشيها دون اكتراث، تعلو على صوت المطر المنهمر أصوات أبواق السيارات حيث يوجد عربجي يحاول تغيير مسار عربته عند التقاطع الثاني من الشارع، العمائر تصطف يمينا ويسارا متباينة الأطوال وكأنها ستبتلع الشارع ومن فيه، والنوافذ أغلبها مغلقة أقلها مفتوحة، ومن بينها يخرج خيط رفيع من الدخان الأبيض سرعان ما يتبعثر في الهواء من نافذة يخرج منها نور أصفر باهت ويستند إليها وحيد الداني.   وحيد، في منتصف الثلاثين، ذو أتب في الظهر، ورأس هجرها معظم الشعر ولم يبق منه إلا قلة قليلة يتسرب إليها اللون الرمادي، يقف بفانلته وسيجارته، يأخذ كل نفس ويخرجه بقوة عسى أن يكون الأخير، هل حقا الأسماء على مسمى؟ وإن كان كذلك فلماذا سموني بذلك الإسم؟ هكذا حدث نفسه، ونظر لأسفل وحدق بالناس في الشارع وهم في حركة آلية في كل الاتجاهات، وركز فيهم؛ يمشون جماعات وأزواج، والأفراد يتقابلون، شعر أنه معلق في الفضاء بين السماء والشارع، فلا...

الإنسان بين الإقرار والإنكار

Image
  **تنويه: الهدف الأساسي من نشر الكتابات هو إيجاد قراء جدد بصفة مستمرة، والسبيل الوحيد لذلك هو مشاركتكم للكاتبات مع الآخرين، ففضلا وتقديرا للمجهود المبذول، إن أعجبتكم إحدى الكتابات فانشروها قدرما استطعتم.   صاحب تلك الكلمات ليس بابن حسن وليس ذا علم وعلاقة وطيدة مستقرة مع خالقه، وإنما قد طرحته الدنيا أرضا ألف ألف مرة، ويبحث في فضاء الله الرحب عن نور ينقذ به ذاته المنسحقة تضرعا أمام خالقها، وليس يخطها فخرا أو وعظا، بل تذكرة لنفسه بسقوطه وإلزاما لنفسه باتباع الطريق الي ضلها يوما، والأهم أنه يخطها عساها تساعد أحدهم في إيجاد الطريق كما أنقذته كلمات من التيه.   ولعل أهم ما يجب أن نتطرق له بدايةً هو بحث الإنسان عن المعنى، ذاك البحث المضني والصعب الذي إما يؤدي بالمرء لأول خطوات النعيم والإقرار أو الهلاك المحتم يوميا ومع كل نفس؛ فالذين يجدون المعنى كأنما وجدوا السعادة السرمدية أيا كان المعنى الذي وجدوه؛ فمثلا الإرهابي لا يُرى حزينا إلا حينما يُهزم – وليس الموت – وعدا ذلك يمضي أيامه سعيدا في خدمة المعنى الذي وجده، وليس الإرهابي المعاصر هو الذي نذكره فقط وإنما على كل العصور، إذ أن...

تأملات في أحوال المرأة المصرية

Image
  هذا حديث لن يرضي أصحاب النسوية المزيفة الهشة، ولن يقبله غرور مدعي الصلاح، وهو ليس عن المرأة تفصيلا وإجمالا وإنما عن مصر كلها، ولسنا نتحدث عن المرأة لأنها نصف المجتمع؛ لأن الرجل ببساطة هو النصف الآخر، وإنما نرى أن المرأة قضية تضم من العناصر العامة والخاصة ما يشمل المجتمع بأكمله مما يمكننا في نهاية الحديث أن نستنتج ونستدل أحوال فئات مختلفة.   بدايةً، دعونا نعرض قصة من فيلم "جانغو الحر" أو " Django the unchained "، وبالتحديد قصة عبد اسمه ستيفن، ذلك العبد الأسود كان رئيسا للبقية تحت خدمة السيد الذي يستخدمهم كآلات مسخرة، والمميز في ستيفن هي شدته مع بني قومه، يشي بهم إذا ما اقترفوا خطأ أو تساهوا عن العمل، بل يساعد في عقابهم، ثم حينما قُتِل سيده الذي جسده ليوناردو دي كابريو حزن وبكى أمر البكاء وانتقم من جانغو "الأسود" الذي هو من بني جنسه وعرقه ويماثله في نفس المعاناة بل بما فعله فهو قد حرره من سيد متسلط، السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو لماذا حزن ستيفن على سيده ذلك الحزن ويشي ببني عرقه ويعاقبهم كما سيده؟   هذا تساؤل لن نجيب عنه في الحال وإنما نريد من القارئ أن ...

صمت لا بأس به

Image
  " طوبى للأرواح التي تعيش فرادى ولا يشعر بوجودها أحد إلا حينما ترحل، تلك الأرواح التي لحظها العَسِر قد تتقاطع طرقها دون أن تعرف فتعيش  طوال حياتها بلا مُعَزٍ أو حبيب أو خليل أو أي شيء، وحدها في الكون." -مينا وجدي.   لم يكن للمكيف فائدة له حيث إن مجلسه بجانب الشرفة لم يحمه من الشمس الطاغية ولعله الوحيد الذي طالته الشمس من المجلس بينما البقية في ظل وطراوة حلوة، كان المجلس حوله نصف دائري مفتوح من ناحية الشرفة، تتعالى الضحكات حينا وتخفض حينا آخر ثم تعود مرة أخرى تعلو، والجمع مكون من شباب أغلبية وشابات أقلية، ولم يكن فم ينتهي من الحديث حتى يقاطعه آخر أو يبدأ حديثا جديدا.   بينهم كان يجلس رفيق الذي يستمتع بالحديث الدائر بين ياسين وزياد والمناوشات بين أحمد وندى، بين "أعطني الشنتة يا أحمت..هههه" وبين تقليد الأساتذة والسباب الخفيف الذي لا يخدش الحياء، ويتقدم في جلسته للأمام كل حين لسماع الآخرين بسبب مجلسه المتطرف، فيضحك واجبا مع الضاحكون وإن كانت نكتة إسماعيل لم تنزل به أي فكاهة، ثم يصمت ويركز مع المتحدث أيا كان الموضوع محاولة لإلمام أكبر قدر من المعلومات والإفيهات الذي...