Posts

النظرات

Image
هناك نظرات نتمناها، وهناك نظرات نخشاها كالنصال فنتمنى لو انمحونا هربا منها.   لم تتسرب الخيوط الذهبية من بين طيات الستائر لتيقظه بل سبقها منبه رنان قتل الصمت الذي كان يغلف فضاء الغرفة والبيت، ومن سرير لا يشاطره إياه أحدهم قام أمين، أضاء أنوار الشقة كلها في طريقه للحمام كما هي عادته منذ الصغر خوفا من شخص سيأتيه بالتأكيد من الخلف ويبتلعه في الظلام، بالنسبة لشاب في طريقه للثلاثين فأمين قصير جدا لحد يجعله يقف على أطراف أصابعه أمام المرآة حتى يستطيع تبين وجهه بالكامل أثناء حلاقة ذقنه.   أول البارحة قد وصلته رسالة عن اجتماع لخريجي مدرسته احتفالا، فتأرجح قلبه فرحا ثم ارتج فزعا.   أما الآن فهو يجمع شجاعته كلها ليرتدي الملابس ويذهب لذلك الاجتماع، فليس كل رجوع للماضي به جمال خالص، احتار أمين فيما يلبس ويضع، وهكذا عادته كل يوم، فيقف وينظر ويفكر "إن لبست هذا سيُنظر لي، وذلك سيجعلهم بالتأكيد يضحكون.."، فارتدى قميصا –في النهاية- أبيض اللون وسروالا جينزا حتى لا يلفت انتباه أحدهم بريقا أو احتقارا، استمر في إعداد هيئته مرارا وتكرارا حتى تجاوز الأمر أكثر من ساعة ونصف الساعة. ...

حُلْمٌ غَرِيبٌ ثانٍ

Image
رأيت تلك الفتاة من قبل، تبلغ من العمر نفس عمري، آية في الجمال، حاجباها مرسومان وثقلهما فيه روعة، عيناها متوسطتان في الضيق ومتوسطتان في الوسع، وأنف دقيق وملامح كأنها مرسومة خصيصا، وشعر أسود كسلاسل الحرير يتدفق شلالا على كتفيها، أما الجسد فتَل به من الإنحناءات نسبة رقيقة. لم أرها سوى مرة في أحد الدروس وقد تلاقت عينانا صدفة، أما الآن فالأمر عكس ذلك. آتتني هي وفتاة أخرى من درس آخر وليسا صديقتين، أنا متأكد من ذلك، وكنت أجلس في مقهى راقٍ في شارع سوريا - لم أعرف بوجوده أبدا سوى الآن - بجانب سور كسور البلكونة، وأطل على الشارع إذا نظرت يميني وظهري للبحر، كانت جريئة جدا بالنسبة لفتاة تحدث مراهقا من سنها لا تعرف عنه سوى شكله واسمه، بدأتا بالحديث متحديتين، والأخرى التي من درس آخر تُكلمني وكأنها تعطيني تعليمات وتَصِف لي نظام التعامل مع الفتاة الأولى، وفي وسط هذا الحديث لم يأتني أن أسألهما عن اسميهما. قالت لي أنها تحب الراب، جميل، لكنها سرعان ما بادرتني بسؤال لاختباري في معرفتي بالراب، من هي لتسألني عن معرفتي بالراب؟! قبل ذلك الإختبار مر وقت طويل، وبعده كذلك، وكنت مأسورا بين الغِبْ...

الإنسان بين الوحدة واللا انتماء

Image
رجوعا إلى أقدم المفاهيم التي تضمنت معنى الانسان والفرق بين جنسه وبني الأجناس الأخرى فنرى أن ما يميز الانسان بحسب تعريف الأقدمين ليس ذكاءه فحسب وإنما وصفه بالاجتماعية، وهو ما أعطاه القدرة على تكوين مجتمعات أكثر تعقيدا وأكثر دواما من أي مخلوق آخر بل إنه كان قادرا على تكوين علاقات مع المخلوقات الأخرى، ولذلك فإن فقد المرء ما يميز بني جنسه فإن ذلك ليضعه في مأزق رهيب وحالة تكاد تفنيه نفسيا إذا صح التعبير. وهنا نتحدث بخاصة عن الوحدة حيث أنها جزء لا يتجزأ بل أساسي من كون المرء غير اجتماعي وهو بذلك يقابل في المعنى الاجتماعية، ولكن إن أردنا توضيح معنى عدم الانتماء فإنه أكثر عمومية وشمولا من الوحدة حيث أن كل الكائنات الحية أو معظمها للتدقيق تعيش في جماعات والأهم من تلك المعيشة هو الانتماء للجماعة، فإننا لو دققنا النظر لعالم الحيوان فسنجد أن غالبية الحيوانات النافقة تكون إما خرجت عن المسار المحدد للجماعة وماتت من الجوع أو تم قتلها من قبل جماعة أخرى لدى خروجها أيضا من جماعتها. بالتالي فإن النتائج الخاصة أو العامة هنا هو الخطر، أي أن كلما كان الانسان في وحدة خاصة جعله في مهب الريح وكلما كا...

في الحارة

Image
"كَانَ فِي الْعَالَمِ، وَبِهِ تَكَوَّنَ الْعَالَمُ، وَلَمْ يَعْرِفْهُ الْعَالَمُ .  وَقَدْ جَاءَ إِلَى خَاصَّتِهِ، وَلَكِنَّ هَؤُلاءِ لَمْ يَقْبَلُوهُ . " -إنجيل يوحنا، الإصحاح الأول . كانت الشمس إذا نظرت نحو نهاية الحارة تتقاطع مع الأسفلت لتتموج الصورة بفعل الحرارة الشديدة، ولاح في الأفق رجل في شبابه بنيانه متوسط يمشي تحت الشمس كالمخمور، مما يوضح أنه قادم من مسافة بعيدة، اقتربت تلك النقطة السوداء من الحارة فبدت ملامحها تتحدد شيئا فشيئا، فكان مظهر الرجل شاذا عن المعروف، فمن الذي يمشي بثيابٍ رثة كتلك التي لا يرتديها أحد الآن؟ كان الشارع في الحارة نصف مرصوف ولكن البنايات كانت تتوهج بالألوان من الخارج كما لو أن المرء قد وقع في مجمع سكني للمشاهير، والسيارات تلمع لمعانا يكاد يعمي العينين وكان غريبا كثرة تلك السيارات رغم أن الحارة صغيرة جدا، الحارة عالم داخل عالم، وشيوخ الأديان يتوجهون دائما للساحات ليصلوا، ويعظوا، وينفذوا الأحكام أيضا، فترى الكل منتصبا في الميادين والساحات معلنا أنه سيصلي، أو أنه سيفعل نشاطا روحيا. دخل الشاب الحارة   وبدا وجهه إذا نظرت في عينيه ...

حل القمامة

Image
*مستوحاه جزئيا من قصة حقيقية. أينظرون لك يا عبدالله أم لتلك التي بين ذراعيك؟ آخ يا عبدالله لماذا نظر لك العالم مرة واحدة اليوم؟ صباح اليوم بينما كان عبدالله يُدخل مفتاحه في الباب سمع صوتا اضطربت له أحشائه حتى كاد يهز رأسه كأنه يطرد أفكارا وظنونا شريرة، حتى ما أن فتح باب شقته فوجد على الكنبة المواجهة للباب مصدر الصوت يتوسط الجلسة بينما يقع بجانبيه كفين على خدين مختلفين، أحدهما لزوجته والآخر لابنته تنظران له كأنما تستنجدان به لحل مشكلة مستحيلة عليهما، كاد شعر عبدالله أو ما تبقى منه أن يشيب على شيبته لما سببته تلك المفاجأة من خوف واضطراب له، حدق في وجهيهما ثم ألقى السلام عليهما ودخل للحمام فارا مصطنعا الطبيعة كأنها زيارة عادية من فتاة لأمها. أثناء مكوثه في ملجأه أخذ عبدالله يزرع الحمام ذهابا وإيابا مفكرا ثم يقف هنيهة وسرعان ما يعود مرة أخرى، ما الذي أتى بها الآن؟ ثم أخرج محفظته وأحصى ما فيها من مال، نعم، مئتي جنيه ستكفيها، لكن ماذا إن كان زوجها قد طردها مرة أخرى؟ اللعنة على أبوكن كلكن، نسوان لا تأتي إلا بالفقر! ومن كثرة حركته كاد أن يتعثر في دواسة الحمام ويسقط على حافة البان...