Posts

الجوهرة

Image
    انفتح الباب عن غرفة شديدة الظلمة، يجلس فيها على أرض باردة الطفل وحيد الداني عاريا، ودخل عليه الرجل بقامة طويلة لا يُرى منها وجهه، انبسطت ملامح الطفل وفتح ذراعيه للرجل الذي ظل واقفا مكانه بلا تجاوب، قال الرجل: -         يا وحيد، انظر ماذا أحضرت لك! -         إنها هدية؟! -         بالفعل، أتعلم ما هي؟   أدخل الرجل يده في جيبه ثم أخرجها وفيها جوهرة تلمع لمعانا يخطف العيون، حينئذ هلل وحيد وصفق بكلتا يديه وحاول أن يلتقطها من يد الرجل لكنه أرجعها محذرا: -         إنها الجوهرة الألف يا وحيد، والجواهر هشة كما تعلم، حافظ عليها لألا تكسرها! -         إنها جوهرة لامعة! إنها حقيقية، أول جوهرة حقيقية. -         كن حذرا! -         إنها ستكون أجمل جوهرة في الغرفة، أعني العالم، لأنها ستكون جوهرتي أنا!   هكذا قال وهو يكاد...

بين إخفاق التواصل، و جود ويل هانتنج، وأشياء أخرى...

Image
  في الفترة الماضية انكشفت لي عدة أمور، وتلك جعلتني أدرك ارتباط العديد من الأشياء سويا بشكل كان غريبا عليّ بعض الشيء، إذ كنت أعيش حياتي فيما قبل على أسس ظننتها منفصلة أو متباعدة، ولعل من أهم ما اكتشفته – وحثني على الحديث عنه – هو سبب الشعور الطاحن للذين من جيلي والجيل الأكبر بعض الشيء بالذنب والقلق بل والاتجاه إلى أنماط مادية من الشخصية تتيح لهم التعامل بشكل يحميهم من العالم.     في كتابه، إخفاق التواصل-Lost connections، تحدث يوهان هاري عن الأسباب الحقيقية للقلق والاكتئاب حول العالم، وفي كل حديث استحضر أمثلة حية بيننا من الواقع، من أشد ما جذبني من القصص هي قصة طبيب تغذية مع مرضى السمنة المفرطة، ويدور الأمر حول طرح الطبيب لسؤال (لماذا؟) في عمله معهم: لماذا وصلوا لتلك المرحلة من السمنة؟ على أساس أن الإجابة قد تساعده في معرفة السبب وراء انتكاسهم المتكرر، وبالتالي أقام الطبيب بحثا أجرى فيه العديد من المقابلات معهم بوجود أطباء نفسية.     على صعيد آخر، يعرض فيلم Good Will Hunting قصة شاب يشتغل كعامل نظافة في جامعة هارفارد، لديه من العبقرية والقدرات الذهنية...

نافذتي، النافذة التي أحب

Image
  إلى أمي،   وأختي، وأبي.     حط الليل على غيط العنب، ولم يكن بالشوارع والأزقة صوت إلا صوت الريح الشتوية، إذ ذاك في إحدى البيوت المجاورة للكنيسة، في الدور الأرضي، السيدة عايدة تجلس بجلبابها الأسود البالي مربعة قدميها على كنبة مهترئة في مواجهة الباب، ولم تكن الشقة سوى غرفة وصالة وحمام ومطبخ، ولانخفاض الشقة بالنسبة لمستوى الرصيف فقد حال ذلك دون ممارسة النافذة الوحيدة المطلة على الشارع في ممارسة عملها، أما نافذتيّ المطبخ والحمام فهما مغلقتان تماما حيث الفجوات في السلك المعدني تعد منفذا سهلا للفئران والحشرات، والسبب في تلك الجلسة منذ أكثر من خمسة عشر عاما هو البياض الذي أصاب عينيها.   تمسك بمحمول نوكيا وتنتظر الساعة، حيث ضبطه بيتر على أن يقوم بالرنين كل ساعة فتقوم هي بِعدْ الرنات لمعرفة الساعة الحالية، وقد أوشكت الآن الساعة على الواحدة مساءا، وها هو المحمول يرن، لقد حان وصول بيتر من العمل لدى أحد بقالين الشاطبي، وذلك الأمر وحده بدل ملامحها بعدما كانت فاترة إلى رضا مرسوم على الثغر، وباليد الأخرى التقطت بدقة الراديو الموجود على الطاولة ،أخفضت صوته، ثم قامت و...

القناع

Image
محاولة لمعارضة أنطون تشيخوف، رسالة إلى الكل ولا أحد.   إلى السيد العزيز، أطلب رضاك، أما بعد..     أعلم أشد العلم أن حفلكم هو الأشد صخبا وليس كمثله حفل، إذ يحضره الأكثر قبولا من الناس، ويغدو الناس أكثر قبولا لحضوره، ولذلك أتألم كثيرا، لكن يا سيدي لا شك في أن حضور حفلا كذلك الذي تقيمه كل ليلة يتطلب أمورا واجب أن تكون على الأقل بنفس الروعة التي يكون عليها الحفل، وذلك لو تعلم صعب جدا، إذ إن المدعوين جميعهم ما إن يدخلوا داخل القصر عليهم أن يرتدوا أقنعة براقة لا تظهر من الوجه شيئا، ولا أعرف إن كنت تعلم يا سيد أم لا، ولكنها شديدة الالتصاق إذ إن المرء حينما يضع القناع لا يقدر على طرحه، إذ ذاك يقوم المدعو في كل حفل أن يرتدي فوق القناع قناعا حتى تثقل رأسه، وأنا -أرجو أن تسامحني لتفاهة عذري- وجهي رقيق هش، لا أحتمل حتى وضع قماشة عليه لأضع قناعا، لكنك إن رأيت وجهي ستعلم بالتأكيد مدى ضعفه، كما أن رقبتي يا سيد لا تحتمل وزن تلك الأقنعة، وعليه، فكيف لي يا سيد أن آتي لحفل مليء بالأقنعة بوجهي الحر المكشوف؟   أود يا سيد أن أعتذر بكل ما أملك من قوة عن عدم حضوري لحفلكم الكريم،...

كلبٌ وثور

Image
   إلى أخي...  في أيام المجاعة، جلس الأخوان حميد وكرم، بما أبقته لهما المجاعة من شحم، على الأرض، وفي ركن ارتخى كلب يظهر العظم من جلده، والشمس تضرب بأعنف حرارتها الأرض حتى لتكاد تخترق الحوائط وتحرقهما، في تلك اللحظة قال حميد، الأخ الأكبر: -         يا ابن والدي، قد صار لنا من الأيام دون لقمة تدخل فمنا ما لم أعد قادرا على عدّه، نحن نموت وليس حري بنا أن نموت هكذا! -         والعمل يا حميد؟ حتى الزرع مات من الشمس، والدار خالية من المال والغلة. -         العمل أن نأكل، نحيا اليوم ثم نفكر في غدٍ الله أعلم في ملكوته إذا ما كنا سنراه! هناك الثور نذبحه ونأكل منه كل يوم مقدار ما يكفي بطوننا فقط للاستمرار، ثم ربنا يفرجها من عنده وقتما يشاء فنزرع ونعمل ونشتري واحدا. -         أجننت يا أخي؟ هذا الثور هو كل ما نملك بعد البيت وروكي الكلب، هذا في أيامنا تلك يساوي أموالا كثيرة! -         يا أخي والمال فيما ...

صدفة ‏جميلة ‏حزينة ‏جدا

Image
   إلى أين يمكن أن تأخذنا الحياة؟   اليوم التقيت، أثناء ذهابي لشراء الطعام، أحد أصدقاء طفولتي القدامة، وبادر هو بالسلام في استيحاء وأنا في حرارة بالأحضان، وشتان الفارق بين صديق طفولتي الذي كنت أذهب معه إلى الكنيسة منذ كان عمري ٥ سنوات والذي امتدت علاقتي به سنوات أخرى ليست بالقليلة إلى أن انقطعت أنا عن الذهاب لنفس الكنيسة ومن ساعتها لم أره ثانية، أما اليوم فهو شخص آخر، بعد كل تلك السنوات أخيرا تقابلنا، ليس المقلبظ الذي عرفته في صغري، أصبح هيكله الآن ممصوصا، وأنا أعرف الفرق بين النحافة وبين شكله، أظافره متسخة بعض الشيء، وعيناه تشيان خلسة بمرارٍ جثيم جثوم عليه، ورأسه تتدلى من عنقه نحو الأمام بعض الشيء، إلا أن صوته لا يزال كما هو يحمل النقاء الذي كان فينا في الصغر، ليس كصوتي وطبعي الذي امتلأ بالعالم الذي يعيش فيّ، سألته أين هو، وأردت أن أعرف منه ما حدث في تلك الأعوام التي انقطعنا فيها عن بعضنا البعض، إلا أنني لم أجرؤ على ذلك، قال لي إنه يدرس علوم الحاسوب، وسألني فقلت السياسة، ثم "هل تذهب للكنيسة؟"، فرد "يعني، ليس كثيرا بسبب أني عملت وتركت العمل البارحة.."، ...