Posts

القناع

Image
محاولة لمعارضة أنطون تشيخوف، رسالة إلى الكل ولا أحد.   إلى السيد العزيز، أطلب رضاك، أما بعد..     أعلم أشد العلم أن حفلكم هو الأشد صخبا وليس كمثله حفل، إذ يحضره الأكثر قبولا من الناس، ويغدو الناس أكثر قبولا لحضوره، ولذلك أتألم كثيرا، لكن يا سيدي لا شك في أن حضور حفلا كذلك الذي تقيمه كل ليلة يتطلب أمورا واجب أن تكون على الأقل بنفس الروعة التي يكون عليها الحفل، وذلك لو تعلم صعب جدا، إذ إن المدعوين جميعهم ما إن يدخلوا داخل القصر عليهم أن يرتدوا أقنعة براقة لا تظهر من الوجه شيئا، ولا أعرف إن كنت تعلم يا سيد أم لا، ولكنها شديدة الالتصاق إذ إن المرء حينما يضع القناع لا يقدر على طرحه، إذ ذاك يقوم المدعو في كل حفل أن يرتدي فوق القناع قناعا حتى تثقل رأسه، وأنا -أرجو أن تسامحني لتفاهة عذري- وجهي رقيق هش، لا أحتمل حتى وضع قماشة عليه لأضع قناعا، لكنك إن رأيت وجهي ستعلم بالتأكيد مدى ضعفه، كما أن رقبتي يا سيد لا تحتمل وزن تلك الأقنعة، وعليه، فكيف لي يا سيد أن آتي لحفل مليء بالأقنعة بوجهي الحر المكشوف؟   أود يا سيد أن أعتذر بكل ما أملك من قوة عن عدم حضوري لحفلكم الكريم،...

كلبٌ وثور

Image
   إلى أخي...  في أيام المجاعة، جلس الأخوان حميد وكرم، بما أبقته لهما المجاعة من شحم، على الأرض، وفي ركن ارتخى كلب يظهر العظم من جلده، والشمس تضرب بأعنف حرارتها الأرض حتى لتكاد تخترق الحوائط وتحرقهما، في تلك اللحظة قال حميد، الأخ الأكبر: -         يا ابن والدي، قد صار لنا من الأيام دون لقمة تدخل فمنا ما لم أعد قادرا على عدّه، نحن نموت وليس حري بنا أن نموت هكذا! -         والعمل يا حميد؟ حتى الزرع مات من الشمس، والدار خالية من المال والغلة. -         العمل أن نأكل، نحيا اليوم ثم نفكر في غدٍ الله أعلم في ملكوته إذا ما كنا سنراه! هناك الثور نذبحه ونأكل منه كل يوم مقدار ما يكفي بطوننا فقط للاستمرار، ثم ربنا يفرجها من عنده وقتما يشاء فنزرع ونعمل ونشتري واحدا. -         أجننت يا أخي؟ هذا الثور هو كل ما نملك بعد البيت وروكي الكلب، هذا في أيامنا تلك يساوي أموالا كثيرة! -         يا أخي والمال فيما ...

صدفة ‏جميلة ‏حزينة ‏جدا

Image
   إلى أين يمكن أن تأخذنا الحياة؟   اليوم التقيت، أثناء ذهابي لشراء الطعام، أحد أصدقاء طفولتي القدامة، وبادر هو بالسلام في استيحاء وأنا في حرارة بالأحضان، وشتان الفارق بين صديق طفولتي الذي كنت أذهب معه إلى الكنيسة منذ كان عمري ٥ سنوات والذي امتدت علاقتي به سنوات أخرى ليست بالقليلة إلى أن انقطعت أنا عن الذهاب لنفس الكنيسة ومن ساعتها لم أره ثانية، أما اليوم فهو شخص آخر، بعد كل تلك السنوات أخيرا تقابلنا، ليس المقلبظ الذي عرفته في صغري، أصبح هيكله الآن ممصوصا، وأنا أعرف الفرق بين النحافة وبين شكله، أظافره متسخة بعض الشيء، وعيناه تشيان خلسة بمرارٍ جثيم جثوم عليه، ورأسه تتدلى من عنقه نحو الأمام بعض الشيء، إلا أن صوته لا يزال كما هو يحمل النقاء الذي كان فينا في الصغر، ليس كصوتي وطبعي الذي امتلأ بالعالم الذي يعيش فيّ، سألته أين هو، وأردت أن أعرف منه ما حدث في تلك الأعوام التي انقطعنا فيها عن بعضنا البعض، إلا أنني لم أجرؤ على ذلك، قال لي إنه يدرس علوم الحاسوب، وسألني فقلت السياسة، ثم "هل تذهب للكنيسة؟"، فرد "يعني، ليس كثيرا بسبب أني عملت وتركت العمل البارحة.."، ...

الزفت

Image
  إهداء، بمناسبة وبدون، إلى الجميلة دائما وأبدًا، النعمة، أختي. **تقع تلك القصة في مملكة الشَبوكشي، وأي تشابه بينها وبين الواقع فهو عار علينا. القلم الأول لألا تعترض. القلم الثاني لألا تصرخ. القلم الثالث لألا تتألم أو تشعر.   لم يكن من المفترض لجميلة أن تبدي رأيا في الأساس، لكن لاختلافها في كل شيء، بآية جمالها وقوة طبعها، لم تكتم الصرخة التي بداخلها بينما المرأة التي تقول جميلة لها "أمي" تفتح قدميها عن آخرهما، وأخرى تسن موسا وتدخل برأسها بين فخذي جميلة، ثم تقطع قطعة من لحمها، هذا ما لم تحتمله جميلة، فدوى صوتها في الغرفة البيضاء التي لطخ دمها جزءا منها.   على الرغم من صرختها الجلية إلا أنها تمالكت عينيها ولم تدع دموعها تفيض في تحدٍ للمرأة التي تقول لها أمي، ولابنة العاهرة الأخرى –كما نادتها جميلة– التي غصبت عليها فتح ساقيها، وعلى الرغم أيضا من ذلك الموقف الذي تقف فيه المرأتان وجميلة، إلا أنها لم تكن تفهم ماذا يحدث؛ إذ إن البارحة كان قد أقيم عيد ميلادها بشكل ولا أروع، لكن اليوم مختلف جدا!   أجلستها المرأة التي تقول لها أمي دون كلمة، وجميلة تحدق فيها كما...

حُلم حزين أو حميم

Image
                                "أنا رايح رايح.. أنا مش بفوق                                 مش زي الحزن أنا استحالة أدوم." ليجي-سي. قد سبق لي في ليلته –أي ليلة الحلم- حينما كنت مع صديق مقرب لي في سيارته أن تحدثت عن كيف أنني للأسف لم أشعر يوما بالألفة بينما الأجداد والأحفاد، وذلك كان في إطار حديث جاءت فيه سيرة جده رحمه الله، وجدته أطال الله عمرها، وسبب حرماني ذلك، أو نعمة الله علي حتى لا أشعر بالحزن يوم الفراق، هو أن جدي لأبي توفاه الله قبل مولدي بسنوات قليلة، وجدي لأمي رحل بعد مولدي بأقل من عام، وجدتي لأبي كانت تعاني من مرض عضال منعها من التفاعل مع المحيطين بها جيدا فلم تكن بيني وبينها صلة ورحلت وأنا بين السابعة والتاسعة، أما جدتي لأمي فقد كانت هي الأخرى تعاني من أمر ما جعلها في منفى عقلي عن كل المحيطين بها، ورحلت في عامي التاسع تقريبا، رحمهم الله جميعا.     وجدت نفسي مرة واحدة في بيت الصيف الخشبي الذي يوجد في الأف...

الفاتورة

Image
    انقلبت أمعاء عبده المسَّاك رأسا على عقب فور علمه بوصول المحصل العمارة، وأنه بدأ للتو في تحصيل الفواتير المحددة والمتأخرة، فقام عبده وذهب لغرفة نومه وفتح درج "التحويش" خاصته، ولم يجد إلا ثلاث مئة وخمسين جنيها، حينها ارتاحت ملامحه قليلا إلا أنها تجمدت بعد قليل حين تذكر أن خدمة توصيل المشويَّات في الطريق، إذ ذاك قرر المسَّاك بلا أي تفكير الاتجاه نحو غرفة المعيشة   وأن يغلق التلفاز المُدار على مدى النهار والليل، الذي يملاء سمعه وسمع الجيران حتى لا يصدر صوتا، ثم أغلق نور الحمام والمطبخ أيضا، حينها شعر عبده بالراحة العارمة لذلك والرضا لكونه مواطنا ناصحا يوفر الكهرباء.   لكن تلبك أمعاء عبده لم يتركه وحاله؛ حيث تذكر المسَّاك أن الفاتورة ليست حالية وإنما متراكمة عليه، لم يستطع عبده إحصاء عدد الشهور والمرات التي راوغ فيها وحالفه الحظ وتهرب فيها من المحصل، إلا أنه يعرفه، محصل بارد، شعره لا هو أبيض ولا أسود، وبنيانه الضخم يتناقض مع خفته، قدر محتوم، "إلا أن القدر أيضا يمكن مراوغته في بعض الأحيان التي يسمح فيها"، هكذا فكر عبده المسَّاك.   تحفَّز المسَّاك لذلك قليلا وب...