الرغبة تمردًا


"معنى أن يحيا المرء هو أن يقاوم."

-فريدريك هيبيل.

منبع هذا الحديث تساؤل شخصي في المقام الأول، ويأتي سؤالي كالآتي: "كيف يمكن للإنسان ألا يقع في فخ أوديب؟"، فأوديب قد بدأت قصته بنبوءة، أي أن هناك شعور بالحتمية منذ البداية، وقد حملت تلك النبوءة خبر قتله لأبيه وزواجه من أمه، فلما أبعدوه عاد مرة أخرى، وهو غير عالم لأبعاد ما هو مقبل عليه، فحقق النبوءة بأن قتل أبيه وتزوج من أمه، وحلت اللعنة.

هذا هو السياق الذي أود مناقشته، أن أسكب أفكاري عنه على الورق، العلاقة بين التيار والسباح، بين الإنسان والقدر. ويأتي قلقي بالدرجة الأولى من فكرة أن الإنسان قد يسير كالبهيمة إلى الذبح وهو يظن أنه يسير بإرادته، وعلى الرغم من كون هناك العديد من الاعتبارات الغيبية فيما يتعلق بمصير الإنسان، سواء بتكرار حيوات أناس سبقوه نسبيًا، أو بأن يعيش السيناريو الذي يخاف منه، أو أن يرفض كل ذلك فلا يتحرك إلا بناء على رفضه ذلك، فلا يعيش حياة تتحقق فيها ذاته، وإنما يعيش للنجاة وحسب وهو ما يشقيه أيضًا.

ولما كان الخوف سيفًا ذا حدين، فهو يمكنه أن يجعل المرء يفر فرارًا من مصير مشؤوم، أو يركبه بالشكل الذي يجعله يقع فيما يخاف تحديدًا، فإن الاعتماد عليه لم يعد خيارًا، حتى وإن كان الخطاب السائد يتمحور بنسبة معتبرة حول أن الغزال يجري أسرع من الأسد لأنه خائف، والخوف – لو تعلمون – ركن لا يمكن إنكار دوره في الاقتصاد والاستهلاك حاليًا، فأنا أشتري الكتاب المعين لأنني أخشى من ارتفاع ثمنه فيما بعد، وفي السياسة كذلك؛ حيث يخاف قليلوا العقل من الآخر، ويتم التلاعب بهم فنرى ما نراه من عنصرية تصل إلى حد الاضطهاد والقتل.

إذن فإن خوف الغزال من الأسد الذي يلاحقها، والأسد قد يكون مصير قد يتكرر في سياق حديثنا، قد يجعله في نهاية الأمر يقع من على حافة التل ويموت في كل الأحوال. ولما تعرضت بعض الشيء – دون دراسة مستفيضة – إلى أفكار دولوز وجواتاري حول الرغبة كمنطلق للفعل الإنساني، ونقدهما لفرويد من خلال عملهما "ضد أوديب"، حيث ينقدان فرويد فيما يتعلق بكون الرغبة مبنية على النقص، ومن قبلهما ألبير كامو فيما يتعلق بالتمرد وفيما يتعلق بأهمية تخيلنا سيزيف سعيدًا.

على الرغم من عدم اتفاقي مع دولوز وجواتاري فيما يتعلق بالرغبة، حيث توجد الضرورة، ولنا في حياة دوستويفسكي مثالاً، حيث كتب وهو في أمس الحاجة إلى المال. إلا أن الرغبة من الممكن أن تكون مفتاحًا للتحرر من الأسئلة السابقة: تكرار مصائر السابقين – والتي في الأغلب تكون غير مرغوبة – أو أن يتحرك المرء في حياته بأكملها بناء على رفضه لذلك دون حرية، أو الوقوع فيما يخاف منه، أي ألا نقع في عقدة أوديب مرة أخرى. فلولا الخوف من تحقق تلك النبوءة لما تم إبعاد أوديب ولما حدث ما حدث في الأسطورة الشهيرة، تمامًا مثل الذي حاول الهرب من الموت فطلع على جبل حيث التقى بالموت لأنه كان من المقدر له أن يكون هناك في ذلك الوقت تحديدًا، فلو عكسنا ذلك واستبدلنا الخوف بالرغبة فقد كان بالإمكان إحداث تغيير ما على مستوى القصتين. ومن الأهمية بمكان أن ننوه على التركيز على الرغبة والتمرد لا ينفيان وجود وأهمية النقص والخوف وغيرهما في الحياة.

المهم، فإن الإنسان حينما يجد نفسه أمام تيارٍ عاتٍ، سيأتي ليغرق فيه، فإن كل فعل يتخذه وقتها هو تمرد على الاضمحلال، ودعونا نتفق مبدئيا على كون الاضمحلال يمثل الحياة التي لا نريد أن نحياها، أي كل ما سبق الحديث عنه، سواء من ماضٍ مكرر، أو حياة تتمحور حول النجاة – وهو ما يدعو إليه المحتوى السائد الخاص بالتنمية الذاتية – أو الوقوع فيما خاف منه المرء، وهو ما يجعلنا نشعر بأننا في دوائر مفرغة لا يمكن الخروج منها إلى أي مكان آخر، تمامًا مثل سيزيف، وبالتالي فإن التمرد هنا يقوم على أننا نجنح إلى ما نريد على حساب ما نخشاه أو نحو السيناريوهات التي نضمحل فيها. أو بعبارة أخرى فإننا نستعير ما قاله العزيز ج.ر.ر تولكين في أحد لقاءاته عن أن كل أفعال المرء هي طريق لمحاربة الموت.

هكذ فإن التمرد أو المقاومة طريق للحياة، وحتى يكون متفردًا، ويستطيع المرء أن يحقق ذاته حقًا، فإن الرغبة هي الطريق الواجب سلوكه، فإن الإنسان حينما يتخذ الطريق الذي يريده حقًا، حتى وإن كانت رغباتنا متأثرة بالسياق الاجتماعي الذي نشأنا فيه، فهو يدفع ضريبة دون أن يُعتبر ذلك تضحية، فلو اعتبر المرء كل ما في حياته تضحية لما تحمل المعيشة.

وهنا يأتي دور ما ذكره كامو عن سيزيف وأهمية تخيله سعيدًا بما يفعل، ولكن أليست السعادة مرتبطة بالرغبة؟ لكن لنتخيل أن سيزيف لا يريد أو لا يرغب بالأساس حمل الصخرة، ألا يكون ذلك بئس المصير حقًا؟ نفس الأمر في الحياة العادية التي تبدو وكأنها خالية من اللمسة الأسطورية. إذا فإن تخيلنا لرغبة سيزيف في صعود الجبال، أو حتى في الوصول للقمة لإلقاء تلك الصخرة من على ظهره المتألم – الرغبة لا تعني غياب المعاناة بالمناسبة – فحينها فقط يمكننا تخيل سيزيف سعيدًا بما يحمله وبالطريق الذي يشقه. على أن سيزيف لا يجب أن يكبت مخاوفه وسخطه في سبيل الرغبة، فالرغبة أداة للتمرد على عقدة أوديب، في سياقها الأسطوري، وبالتالي فكل ذلك يهدف بالأساس بأن نحظى بحياة جيدة تستحق العيش، وهو السؤال الأكثر جدية في الفلسفة بحسب كامو، بينما كل الأسئلة الأخرى لا تعتبر إلا لهو ولعب بالمقارنة به؛ فالكبت والرفض تجعل سيزيف يقع في صراع بين وعيه وبين الأنيما الخاص به (الجزء الأنثوي في الرجل، والعكس يُسمى أنيموس) وبين الظل، وذلك بحسب كارل يونغ، وإلا فإن الخوف من تكرار المصير ذاته، أو الانزلاق في القدرية الحتمية، ألا يعوق كل ذلك التفرد الذي تحدث عنه يونغ؟ 

على أن المرء يجب أن يحذر في استخدامه للكلمات، والطريقة التي يوظفها بها، إذ لا يجب أن تأخذ الرغبة مسلكًا غير ذلك الداعي إلى النمو في المقام الأول، والمقصود بالنمو هنا هو الفردانية التي تحدث عنها إريك فروم، تحقيق الذات، وفي نفس الوقت أن يكون لدى الفرد حسه بالمسؤولية في مجتمعه، أو التفرد الذي تحدث عنه كارل يونغ، إذ يعيش المرء تجربته الذاتية، ويحقق التوازن ما بين أقانيم النفس (الأنا- الأنيما أو الأنيموس - الظل). وفي هذا النطاق فإن من الأهمية بمكان أن نقول إن الرغبة المتجددة تتصل اتصالاً بالمعرفة، كيف ذلك؟ لنتأمل مثلاً سيرة الفيلسوف الذي رحل عن عالمنا في مؤخرًا، إدجار موران، حيث دفعته الرغبة في المعرفة إلى عيش حياة طويلة عريضة، وقد تحمل العديد من المشقات، كيف استطاع ذلك؟ لأن الرغبة كانت أساسًا في إضفاء المعنى على وجوده، فلو افترضنا أنه في منتصف حياته الطويلة قد فقد رغبته في المعرفة وفي الحياة بشكل معين، فماذا يتبقى له غير اللا معنى؟ إذن، فلا تُبنى حياة أساسها التمرد، مدفوعًا بالرغبة، على جهل، وإنما تقوم تواصل المعارف، فالرغبة في ممارسة الرياضة تجعل المرء يصطدم بجهله بأسسها العلمية، ومع الوقت يكتسب معرفة تتمحور ما يحب عمله، نفس الأمر في كل مناحي الحياة، بداية من العمل السياسي، وحتى الطبخ، فحتى تقطيع صدور الفراخ يجب أن تراعي مسار الأنسجة حتى تكون طرية عند الأكل.

إذن، فكل ما قلناه قد يتمثل في الآية القائلة بأن لي اشتهاء بأن أكون مع المسيح، فكم من معاناة على المرء أن يتحملها في سبيل تحقق هذه الشهوة تحديدًا؟ هكذا يجب أن يكون الإنسان، أن يبني حياته قدر الإمكان على الرغبة، أي على المحبة – تمامًا كما فعل نجيب محفوظ حينما قال إنه قد بنى حياته على  أساس الحب، حب العمل، وحب الناس وحب الحياة، وأخيرا حب الموت – وهو ما يتفق مع تحليل البروفيسور بيتر كريفت، في كتابه "فلسفات الحياة الثلاث"، حيث قد سفر الجامعة، حيث يعرض عبثية الوجود دون الله، وسفر أيوب، بوصفه مثالا للمعاناة الإنسانية، وأخيرا سفر نشيد الأنشاد، بوصفه القمة الممكن الوصول إليها، وهو الحب. وحتى بالرجوع للآداب، والسؤال الأشهر "أن أكون أو لا أكون"، أليس مبني في جانب من جوانبه على الرغبة؟ فما الذي يحدد الكيفية أو الحالة التي يكون فيها المرء أو لا يكون؟ فنكون بصدد المشهد الملحمي من فيلم "Papillon-1973"، حيث تقف لجنة تحكم على البطل أثناء حلمه، وتدينه بأنه قد ارتكب أسوأ جريمة على الإطلاق، وهي حياة ضائعة "Wasted life"، وأن تلك الجريمة تستوجب الموت، على أن لغة الأحلام بالطبع لغة رمزية، إلا أن ذلك الحلم لن يبعد، من وجهة نظرنا المتواضعة، عن كونه يشير لعبثية حياته. في النهاية، فمن المهم أيضًا أن نذكر أن الرغبة والمعرفة متصلان بالسياق السياسي أيضًا، أي أن الشخصي هنا سياسي أيضًا، لماذا؟ لأن الحياة المليئة بالبؤس، لا تتسم بالرغبة بقدر ما تتسم بمحاولات النجاة، وإذا كان الإنسان يحاول النجاة فإنه يفقد القدرة على الإبصار لما هو أبعد، لحياة يريدها، وهو ما ينطبق على المجتمعات واحتياجاتها، وقد قدم أنطونيو غرامشي في مقاله "أكره اللامبالين" فكرة مهمة جدًا، وهي أن "كل شيء يحدث، لا يحدث فقط بسبب الذين يفعلون، بل أيضًا بسبب الذين يفضلون ألا يفعلوا شيئًا."، إن الرغبة، كسبيل للتمرد، تجعلنا نخرج من نطاق المفعول به نسبيًا – لأنه لا يوجد فاعل مطلق إلا الله – ونميل أكثر نحو الفاعلية، والمسؤولية، وهو ما سيجعلنا نقرر أن نقوم بشيء حيال ما يحدث حولنا بشكل عام. 

وفي الواقع، فمن المثير ملاحظة أن غرامشي يذكر في مقالته تلك أمرًا يتصل بطريقة أو بأخرى بما ذكرناه سابقًا حول السباحة ضد التيار، أو شعور المرء بأنه مسحول نحو قدر حتمي، فيقول غرامشي "الحق أن الحتمية التي تبدو مهيمنة على التاريخ لا تعدو أن تكون مظهرًا مضللاً من مظاهر هذه اللا مبالاة، وهذا التقاعس."، ومن المدهش أيضًا أن تكون اللا مبالاة، أو الفتور، منتقدين بشدة في سياق روحي وآخر أدبي، الأول في الكتاب المقدس في سفر يوحنا اللاهوتي:"هكذا لأنك فاتر، ولست باردًا أو حارًا، أنا مزمع أن أتقيأك من فمي."، وفي الأدب في الملحمة الشعرية الخالدة، الكوميديا الإلهية، حيث يقول دانتي جملة انحفرت في عقلي حتى الممات "أن أحلك الأماكن في الجحيم هي تلك لأولئك الذين يقفون على الحياد في المواقف الأخلاقية." وبناء على كل ما سبق، فإن من الملاحظ أن الفاعلية، أو التمرد أو المقاومة، تتطلب الرغبة/الحب، لأن المرء لا يفكر بنفسه فقط، وإنما يعمل بوصية محمود درويش "فكر بغيرك"، وهي وصية ثورية، تجعلنا نتوقف أمام الخوارزميات بداية، فنختار ما نشاهده بدلاً مما يُفرض أو ما هو مُبرمج، وننتهي بتغيير المجتمع بأكمله، وهذا المسار بقدر ما هو مليء بالفرح لكنه مليء أيضًا بالمشقة. وهكذا فإن لم تكن الإجابة على الأسئلة التي طرحناها سابقًا الرغبة أو الحب، فعبث.

مينا وجدي

08/08/2026

سيدي بشر، الإسكندرية.

Comments

Post a Comment

Popular posts from this blog

لماذا انتشرت القشطوظة وتراجعت كعكة أمي؟

إنها السياسة.. إنه البيزنس

بين إخفاق التواصل، و جود ويل هانتنج، وأشياء أخرى...