Posts

كيف نغسل أيدينا من الدماء؟

Image
    يستحيل على أي شخص كان ألا يكون مؤججا بالمشاعر الضارية من أول الحزن واليأس إلى الغضب والثورة إزاء ما يحدث في فلسطين والساحة الدولية في الفترة الحالية، وأعتقد أن هناك سببا غير مرئي لتلك الثورة المضطرمة وهو شعور بالاصطدام بواقع لا مفر منه؛ أي أننا بشكل ما اشتبكنا أخيرا مع واقع طال تجاهله حتى صارت مواجهته شديدة القسوة، وما أقصده هنا ليس أن ما يحدث حاليا ليس ظلما بينا يستحق الألم الذي نشعر به، لكنني فقط أرى أن الأمر كمريض ترك إصبع قدمه الصغير مجروحا بشكل بسيط حتى ما استحال الموضوع لعدوى أصابت رجله كلها يصعب عليه التعايش معها وعلاجها مؤلم لكنه ضروري، وكذلك هو الحال مع المجتمع الدولي والشعوب المجاورة لفلسطين التي تبكي عند كل حادثة ثم تمر مرور الكرام، وأعتقد أن تلك الصدمة بانعدام امكانية استمرار الوضع إنما هي طلق لولادة عالم جديد حتى وإن لم تتحرر فلسطين بشكل كامل في المستقبل القريب.   إن ما يحدث الآن هو شوكة في تنغز في ضمائرنا كي تحييها، ليس فقط اتجاه فلسطين وإنما المعذبين في الأرض كلها، ولكن على الرغم من ذلك فإن مواجهة الأزمات الصراعات تتطلب قدرا كبيرا من الشجاعة ويستحيل م...

لماذا سيشعر ابني بالوحدة؟

Image
    في السنوات الأخيرة شهدتُ وحدة موحشة أحاطتني كثيرا من كل اتجاه، إلا أن ذلك لم يدفعني للحديث عنها بشكل واضح شجاع حيث إنني ظننت أنها حالة فردية تخصني، كما لو أنها حالة سرطان وليست جائحة عالمية، وبالتالي فهي لم تكن تستحق في نظري إلا أن أدوّن عنها بعض الجمل في مذكرة محمولي أو أن أشير إليها بخجل في حديث مع صديق. لكن ما اختبرته في الفترة الماضية من أحاديث مع أصدقاء ومعارف وأقارب ومن ملاحظة للمحيطين في أكثر من مكان، أكد لي أنني لست الوحيد الذي يشعر بالوحدة، وليس في ذلك الخبر ما يثير المرء نهائيا، لكنني اعتزمت أن أحاول معرفة أسباب ذلك الشعور ومشاركتها على قدر خبرتي، وعليه فإنني بنيت افتراضي ذلك بأن ابني حتما سيشعر بالوحدة بناءً على فكرة استمرار الأوضاع الحالية، التي من شأنها التسبب في وحدتنا الحالية.   في أغنيته " Revolving " يقول مغني الراب الفرنسي "براف- BRAV " الآتي:" هل من المنطقي   رغم أنني محاط بالناس أن أشعر بأنني وحدي؟ يجب تقريبا القيام ببعض المجهودات للاندماج.. لا نعرف أبدا، فقد أجد الحب في وسط هذا الاغتصاب الجماعي.."، قول براف ذلك ليس جديدا بل إنه م...

أنا أعمل، ومديح في الإدمان

Image
إلى أختي، حتى تخف الآلام.      شاركت منذ يومين في عرض مسرحي بعنوان محطة صيانة، وتحكي المسرحية عن السيد صفر الذي – بكل اختصار – يقع ضحية للنظام والبيئة من حوله، وعليه فإنه يعجز عن الحياة الإنسانية بشكل كامل وإنما يتنفس وفقط، ومن ضمن معاناته هو حبه لديزي العاملة معه في نفس الوظيفة، وعلى الرغم من ذلك ففي كل مرة، حتى تلك التي باحت فيها بحبها له، أراد أن يبوح لها بحبه كانت تخرج من فمه "أنا أعمل" بدلا من "أنا أحبك"، ويواجه مشاكله مع زوجته بقوله إنه يود لو يبدأ بالادخار، دون أن يخبرها أنه لم يحبها، وهكذا فإن السيد صفر ظل في عيني في صراع داخلي بين الشكل المطلوب منه والشكل الذي يحتاجه هو، أو بمعنى أصح أنه كان في صراع دامٍ مع طبيعته الإنسانية بجانب كونه الضحية للنظام الذي عاش فيه، حتى وصل لقاعٍ انفجر فيه بالبكاء وهو يحدث أباه مرددا "أريد أن أعلم لماذا أنا هكذا!"، فرد عليه أبوه أنه لأول مرة يراه يتساءل هكذا ولكنه سعيد، لكن جاء صوت من الخارج يخبره بأنه أيضا لأول مرة يراه يتساءل هكذا لكنه ليس سعيدا، في تلك اللحظة عاد صفر يخبر والده أنه على ما يرام مرددا "أنا أعمل...

بيجو بيجو

Image
  قرر بيجو، صباح اليوم قبل ذهابه للدرس، أن ينتحر. إذ ذاك دخل المطبخ مبكرا فيما كانت والدته بغرفة أخرى وأخرج بهدوء سكينا، تأملها، ثم وضعها على ساعده وأغمض عينه ليفتحها على عالم آخر، ولكنه انتظر قليلاً وكرر انتظاره ذلك وفتح عينه ووجد أنه لا يوجد أحد بالمطبخ سواه، ولم يأتِ أحد، حينها وضع السكين مكانه بكل هدوء وتسلل لخارجه، اصطدم بيجو في الطرقة بعد تسلله ذلك بأمِه، التي ارتعبت وهبّت فيه منزِلة يديها الاثنين على ظهره ضربا من أثر المفاجئة.     بعد أن فرغ من السباب المنهال عليه دخل الحمام، وأدرك أنه ليس من اللائق نهائيا أن يقدم على عمل كذلك دون البوح بسره ذلك لأحد، وفكر واقفا أمام المرآة:" إن اختفائي المفاجئ سيكون بالتأكيد أمرًا مؤلمًا للكل، أو.. على الأقل لبابا وماما، لا يصح أبدًا!"، إذ ذاك خرج من الحمام وارتدى ملابسه قبل الميعاد وجلس إلى جانب أبيه وأمه.   أطال النظر بوجهيهما يستطلع أي رد فعل لجلوسه برفقتهما، ولكن أنظارهما كانت موجهة نحو المذيع الذي يبث عليهما الأخبار، مما جعله ينادي والده: -         يا حاج، أريد أن أسأل...