Posts

الفاتورة

Image
    انقلبت أمعاء عبده المسَّاك رأسا على عقب فور علمه بوصول المحصل العمارة، وأنه بدأ للتو في تحصيل الفواتير المحددة والمتأخرة، فقام عبده وذهب لغرفة نومه وفتح درج "التحويش" خاصته، ولم يجد إلا ثلاث مئة وخمسين جنيها، حينها ارتاحت ملامحه قليلا إلا أنها تجمدت بعد قليل حين تذكر أن خدمة توصيل المشويَّات في الطريق، إذ ذاك قرر المسَّاك بلا أي تفكير الاتجاه نحو غرفة المعيشة   وأن يغلق التلفاز المُدار على مدى النهار والليل، الذي يملاء سمعه وسمع الجيران حتى لا يصدر صوتا، ثم أغلق نور الحمام والمطبخ أيضا، حينها شعر عبده بالراحة العارمة لذلك والرضا لكونه مواطنا ناصحا يوفر الكهرباء.   لكن تلبك أمعاء عبده لم يتركه وحاله؛ حيث تذكر المسَّاك أن الفاتورة ليست حالية وإنما متراكمة عليه، لم يستطع عبده إحصاء عدد الشهور والمرات التي راوغ فيها وحالفه الحظ وتهرب فيها من المحصل، إلا أنه يعرفه، محصل بارد، شعره لا هو أبيض ولا أسود، وبنيانه الضخم يتناقض مع خفته، قدر محتوم، "إلا أن القدر أيضا يمكن مراوغته في بعض الأحيان التي يسمح فيها"، هكذا فكر عبده المسَّاك.   تحفَّز المسَّاك لذلك قليلا وب...

رسالة وحيد الداني الأخيرة

Image
    لا أعلم في حقيقة الأمر كيف أبدأ حديثي، وإن كنت أعرف جيدا كيف سأنهيه، كأنما تريد قول أشياء   كثيرة تحتل صدرك وتجثم عليه ولكنها مع أول دفعة نحو العلنية تنحشر كلها مرة واحدة فتشعر أنك لا تعلم شيئا عن نفسك، ولكنني أعرف أمرا وهو أن الذي أنا فيه الآن متكرر بل إن أي شيء غيره هو غير الاعتيادي، فإنني يا أخ   - واعذرني إذ لم أقل أخي؛ ولكنني أعلم أنك لست كذلك - بعيد كل البعد، عن كل شيء، وخاصة عن كوني إنسانا، ولست أقصد هنا الكينونة الجسمانية وإنما الاجتماعية والنفسية، وقد تكون تلك أول مرة التي أتحدث فيها عن ذلك الشعور لغير نفسي، أنا بغير لف أو دوران منفصل تماما وغير منتمي لأي قطيع من البشر، أو هذا ما يخيل إليّ، وهذا أيضا ينقلني لشفافيتي، وليست الشفافية بمعنى الحق والوضوح وإنما بهتان الوجود .   إن الوجود الاجتماعي بالنسبة لي يسبب ألما كبيرا ويكون بمثابة تحدٍ خطير، فكلما انغرزت في تربة أو خُيِّل إليّ ذلك وأحاول أن أتج...